هل أنا قاتل

كتبت لمياء سعد 



 هل أنا قاتل ؟!

الجميع ينظر إليّ، يقولون أنت قاتل، أنت مَن قتلها، صحيح أنهم لا يقولون ذلك بألسنتهم، لكن عيونهم تقول الكثير، نظراتهم تكاد تحرقني، ربما أكون السبب فعليًا في موت أمي لكني لست بقاتلٍ، لم أتعمد ذلك، لو كنت أعلم أني سأفقدها للأبد؛ لما تجرأت على المشي في ذلك الطريق أبداً. 

سأحكي لكم ما حدث:  

لقد كنت الابن المدلل لأمي وأبي؛ نعم فأنا ابنهم الوحيد، كانوا يدللوني كثيرًا، لكن لكل أمرٍ حدود، فعندما كنت أخطأ كانوا يعاتبوني ويرشدوني للصواب، ربما يصل الأمر إلى عقاب خفيف، إلا أني لم أُعَاقَب أبداً بالضرب أو الإهانة والسَّب، لذلك عندما أصبحت شابًا فى الجامعة بدأ يسيطر عليّ فِكرٌ غريب، وكما كان لأصدقائي الجدد - أصدقاء سوء - يدٌ في هذا الفكر " ماذا لو فعلت هذا ولم تخبرهم أو أن تكذب عليهم؟ فلن يعرفوا، حتى إن عرفوا، ماذا سيكون رد فعلهم؟ عقاب بسيط كالعادة، لن يتحدثوا معي لمدة يوم، لكن سترجع ابنهم المدلل ثانية، وسَيتم نسيان ما حصل، كأنه لم يكن." 

بدأ الأمر بتأخري عن المنزل، فأعود ليلًا؛ بحجة أني مع زميل لي نذاكر سويًا، لكن في الحقيقة، قد كنا نسهر مع أصدقائه، كل أسبوع نقضي يوم عند أحدهم، في بداية الأمر كنت أجلس معهم دون أن أتعاطى أي شيء مما يتعاطوه، إلا أننى بعد شهر، بدأت شياطين الإنس والجن في الوسوسة، ما المانع من تجربة سيجارة عادية؟ فلن تترك عليك أثرًا؟ لن يُفضح سرك لوالديك. 

بعد ذلك أدمنت التدخين - والحمد لله أني لم أكن أستجيب سريعًا لكلامهم - بعد شهرٍ من التدخين اكتشفت أمي الأمر، حاولت نصحي بطريقتها الهيّنة الليّنة.

"آهٍ يا أُماه كم كنت هيّنة القول، طيّبة القلب، لم تعنّفيني، لم تصرخ في وجهي، بكل لينٍ تحدثني." 

بدأت في نُصحي، تخبرني بأني بذلك أعصي ربي، أخذت تذكرني بكلام الله وسنة رسوله، فتقول لي الحمد لله أنك في بداية الأمر، ولم تدمن أشياءً أخرى، فتحتاج إلى علاجٍ أو مصحة، مع علمي بصدق كلامها، بأني حقًا مخطئ ومذنب بحق نفسي، إلا أنّ الشيطان

قد تمكن مني، فبدأ صوتي يعلو صوتها، صدمت أمي مما حدث، فكيف لطفلها أن يحدِّثها بنبرة صوت عالية؟ قالت لي: هل يمكنك التحدث بصوت هادئ؟ بني، أنت تتحدث مع والدتك. 

أما أنا فلم أبالِ بتلك الكلمات، فلقد كنت أحاول إخفاء أكثر من سيجارة - نعم لقد بدأت فى تعاطى المواد المخدرة، بدأت أشرب المسكرات، لكن لم يصل بي الأمر حد الإدمان بعد، كنت أعلم جيدًا بأنه إن تحدثت مع أمي قليلًا؛ سأبوح بكل ما لدي، فلها أسلوبها الخاص الذي يجعلني أعترف بكل شيء، قد كنت أخشى من رد فعلها - أخذت أتحدث بصوت عالٍ، وبعد جدال مني أنني لم أخطأ ولا يحق لأحد محاسبتي، فلا أدري كيف خرج من فمي لفظ قبيح - بالتأكيد قد علق هذا اللفظ في عقلي من كثرة سماعه من أصدقاء السوء - فهنا لأول مرة ضربتني أمي؛ كأنها تقول، أفِق من غيبوبتك تلك، حينها إشتطت غضبًا، فدفعتها بعيدًا، كدت أن أرد لها الضربة - ويا ليتنى مِتُّ قبل هذا وكنت نسْيًا منْسِيًا - فسقطت أمي من الصدمة جثة هامدة، لم تتحرك، لم تتفوه بكلمةٍ واحدة، نعم لقد ماتت أمي من الصدمة، فكنت أنا السبب، لم أفق مما أنا فيه إلا على رؤية أمي جثة هامدة على الأرض.

أمي أَفيقِي رجاءً، أمي يا حبيبتي أجيبيني، أعتذر منك يا جنتي، لقد أخطئت، ولن يتكرر ذلك أبداً، أمي أجيبيني، أجيبي ندائي رجاءً.

لا إجابة من أمي، حملتها مُسرعًا إلى أقرب مستشفى، كنت أدعو الله أن تكون بخير، ولا يصيبها مكروه، فلن أفعل أيّ شيء يغضبها بعد ذلك، لكن ما كنت أخشاه قد حدث، نعم لقد توفيت أمي، أخبرني الطبيب أنها قد فارقت الحياة قبل أن آتي بها للمشفى، صرت أجهش بالبكاء كالطفل الصغير، أترجاه ألا يقول ذلك، بأن ينقذها، قائلًا له هي فقط مستاءة مني، لكنها لن تفارقني للأبد، احتضنني الطبيب قائلًا: اذكر الله يا أخي، واصبر على مُصيبتِك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، حينها أدركت أنّ الله قد استرد أمانته حقًا، التي لم أستطع أن أحافظ عليها، أخذ بكائي يزداد وأردد بحرقة: « أنا السبب، أنا السبب. » 

أخبرني الطبيب أن أكلم أحدًا ليكون معي؛ لنكمل إجراءات المستشفى، فهاتفت والدي، فقد جاء مسرعًا، عندما رآني احتضنني بشدة مُرددًا: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، إنّ العين لَتدمع وإنّ القلب لَيحزن وإنّا على فراقك يا روح الفؤاد لمحذونون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا إنّا لله وإنّا إليه راجعون.


أنهينا إجراءات المستشفى، والغسل، والدفن، ذهبنا إلى المقابر نصلي عليها، عند قول "وأهلًا خيرًا من أهلها" قد تَعالى نحيبي داعيًا الله أن يتقبلها من أهل الجنة، أن يغفر لي خطيئتي بحقها، فأنا لم أكن خير ابن، أنا السبب فيما حدث، أنا السبب. 

بعد أن عُدنا للبيت وانتهى اليوم، ذهبت إلى غرفتها، أتحسس مكان نومها، أشم رائحة عطرها، أحتضن ملابسها، ظللت أبكي حتى غرقت فى النوم مكان نومها، ففي اليوم التالي استيقظت مُبكرًا، فلم أجد أبي بجواري، فعندما قلقت فجرًا وجدت أبي نائم بجواري، يحتضن هو الآخر ثياب أمي، كان يبكي وهو نائم، يتكلم كأنه يتحدث إلى أمي؛ بصوت ملئ بالحزن والنحيب يقول: " أيا حبيبة قلبي غادرت دون توديعي؟ لا تعتذري يا نبض الفؤاد، كل ما في الأمر أن فراقك مؤلم، كيف لي ألا أحزن؟ فلن أترنم بصوتك بعد الآن، لن أسمع دعائكِ لنا في الصلاة، حضنك الذي ينسيني همي، من سيذكرني بأدويتي، ويعينني على طاعة ربي، يأخد بيدي إن أصابني فتور من بعدك، 

بالطبع سأخبره، فهو حزين على فراقك للغاية، نعم يا حبيبتي انتظريني في الجنة، واذكريني عند ربك، وبلغي حبيبنا السلام عليه السلام، وأخبريه أن يأتيَني في المنام، أرجوكي لا تطيلي عليّ الغياب."

يبدوا أنها أتت تودعه وتطيب خاطره، لم تأتيني لأنها ما زالت غاضبة مني. أخشى أن تكون غير راضية عني.

" آهٍ يا أمي" إن فراقك مٌرٌ كالعلقم، أتمنى أن يعود بي الزمن للخلف، سأقبل قدميكِ، سأبتعد عن كل ما لا يُرضيكِ، سَأكون تحت قدميكِ بكل شيء، ولن أفارق مجلسك أبداً، سَأطيل الحديث معكِ ولن تجدي مني إلا كل طيب. " 

خرجت من الغرفة أبحث عن أبي، وجدته في المطبخ يحضر لي الفطور كما كانت تفعل أمي، شرعت في البكاء وأخذت أنظر حولي لعلي أجد أمي في أي مكان،  وبالفعل كنت أراها في كل مكان حولي، فهذا البيت مليئ بالذكريات بيننا، كل ركن في البيت يشهد ذكرى هنا وهناك، التفت أبي إليّ وقال: هوِّن عليك يا ولدي وتمالك نفسك واصبر على قضاء الله فكل أمر الله خير وعند الله الملتقى، وأيضاً لدينا أشخاص بالخارج. 

لم أستطع تمالك نفسي أكثر من ذلك، قلت لأبي سأخبرك الحقيقة الآن فلا أستطيع التحمل أكثر من ذلك، قصصت لأبي ما حدث بالأمس بيني وبين أمي، ظللت أردد انا السبب في موتها.

كان رد فعل أبي غير متوقع، فلقد قام باحتضاني وقال: هوِّن عليك فهذا أجلها وقد انقضى، لقد استرد الله أمانته، لنصبر حتى نلتقيها فى الفردوس الأعلى بإذن الله، يا بني لقد أخطأت لا محال وعليك بالتوبة والاستغفار، إذا أردت الإعتذار لوالدتك فعليك بالعمل الصالح والدعاء لها والصدقة، فهذا خير اعتذار وأفضل هدية ستقدمها لها، ولقد أخبرتني والدتك بالمنام أنها راضية عنك، وتعلم أن هذا ما هو إلا انتكاس وتبلغك السلام . 

صدقًا كلام أبي قد خفف عني قليلًا، لكن لم نكن نعلم أن هناك آذان تسترق السمع، وعندما خرجنا وجدت أعين الجميع تراقبي، ولو كانت الأعين تنطق لقالت لي أنت قاتل، أنت السبب في موتها، لم أطِل الجلوس معهم؛ فهم لم يكتفوا بأن يرمقوني بنظراتهم المحرقة فسرعان ما شرعوا في الهمهمة. ظللت على هذا الحال أسبوعين، لا أخرج من غرفتي إلا للضرورة، وكلما خرجت للقاء أحد كانت نظراته تحرقني وكنت أود لو أن الارض تنشق من تحتي.

بعد خمسة عشر يومًا من الوفاة، لم يمر يومًا من دون الصدقة أو الدعاء لها، دخل عليّ والدي وأخبرني أن زميل لي أتى لزيارتي ويريد رؤيتي، خرجت على مضض؛ لقد كنت أظنه أحد أصدقاء السوء، كنت قد أخبرتهم يوم الوفاة أني لا أريد رؤيتهم ثانية وقطعت علاقتي بهم، ولكن عندما خرجت وجدت شخصًا غير متوقع زيارته، زميل لنا ما عاهدته إلا بشوش الوجه، حسن القول، لا أعلم لم انشرح صدري برؤيته؛ ربما لأني لم أرى في عينيه تلك النظرة التي تخبرني دوماً بأني قاتل، أو لأني كنت أتذكر له وقفته بجانبي عند دفن أمي واحتضانه لي، ما زلت أتذكر كلماته التي كان يواسيني بها، أذكر أيضاً قوله لأصدقائي القدامى عندما قالوا لماذا تبكي؟! أنت رجل، والرجل لا يبكي، بعد مدة قصيرة سَتنسى، قال لهم دعوه وشأنه، فالبكاء يريح القلب، وكيف له ألا يبكي وقد أغلق اليوم له أحد أبواب الجنة، دعوه يبكي فأنا أعلم أن بكاءه ليس عجزًا وإنما ألماً مع صبرٍ ورضا بقضاء الله.

جلست معه وبعد السؤال عن أحوالي أخبرني أنه كان يهاتفني يوميًا، وأنا لا أجيب فقلق عليّ جدًا وبالأخص عندما سأل عني أصدقائي فأخبروه أنهم لم يتواصلوا معي منذ الوفاة، جاء ليطمئن عليّ ويخبرني أن الاختبارات تبقى عليها شهر واحد ولقد فاتني الكثير، لقد أحضر معه كل ما أحتاجه وما فاتني، أخبرني أنه سيكون معي إن احتجت مساعدة في أي وقت بإذن الله، ويشرح لي ما استصعب عليّ، ما كان مني إلا أن احتضنته وبكيت بحرقه " أين كنت من البداية؟ ليتك كنت رفيقي دونهم! لو رافقتك أنت ما ذهبت في ذلك الطريق " ربَّتَ على كتفي وقال اهدأ يا صديقي فهذا أجلها " وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ " لا أُنكر أنك أذنبت وعليك التوبة إلى الله؛ توبةً نصوحةً، وعاهِد الله ألا تعود إلى تلك الذنوب ثانيةً، الله عزَّ وجل هو التَّوَّابُ الذي يَقْبل التَّوبَةَ عَنْ عبادِه، فما مِنْ عَبْدٍ وقع في الذنوب صغيرها وكبيرها ثُمَّ رجع وتاب إليهِ سبحانه، إلَّا قبِل توبته وتاب عليه وفَتَحَ له أبْوَابَ رحمته، ما لمْ يُدْرِكْه الموتُ، ولم تبلغ روحُه الحُلْقُوم، يقول الرسول صلوات ربي وسلامه عليه " إِنَّ الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرغِرْ. " وباب التوبة مفتوح لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، وحينها " لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا " ويُغلق هذا الباب أيضاً إذا بلغت الروح الحلقوم، قال تعالى: " وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ... "، والله تبارك وتعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ  نهارًا، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ ليلًا، بل ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه، فسارع إلى الدخول في رحمة الله، واحذر من تأخير التوبة، فإن الإنسان لا يدري متى ينتهي به العمر، ولن يستطيع أحد أن يحول بينك وبين التوبة " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ " فاللهم تُب علينا لنتوب.

يا أخي عليك بالابتعاد عن أصدقاء السوء وعن بيئة المعصية، وَالتَمِس صُحبة صالحة، وأكثر من الحسنات الماحية للسيئات " إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ "، وإذا علِم الله صدق توبتك تاب عليك، بل ويبدل الله سيئاتك حسنات " إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ". 

أراح قلبي بكلامه وكان خير صديق لي، سألت الله الصحبة الصالحة فرزقني إياه، وها أنا الآن أخبركم قصتي من المسجد الحرام بعد أن انتهيت من آداء حجة لأمي. 


ڪ/ لمياء سعد


تحرير الصحفيه: آلاء فايد


المؤسس: علي التوني




Post a Comment

أحدث أقدم